• مقدمة وتوطئة تعريفية عن المدونة ومحتوها
  • سلامي مصر- البداية – بقلم مصطفي محمد سعدي
  •  القرآن الكريم والسنة الشريفة
  •  المجموعة الأدبية والقصائدية الخاصة بـ مصطفي محمد سعدي
  • تابع أساسيات العلوم على الفيس بوك كنوع من المساهمة في إثراء المدونة

ثقافة الشاعر بين الماضي والحاضر

السبت، 6 أغسطس 2011 التسميات: , ,

أكد الشعر العربي الحديث, وفي نماذجه الجيدة, تطوره إلى درجة الاختلاف الكلي عن الشعر القديم, وتلك هي سنة الحياة, في جوانبها كلها, وليس في الشعر وحده. إن غاية المبدع في العصور كلها أن يأتي دائماً بما هو جديد,

مستجيباً إلى حسه الإبداعي, فهو يسعى دائماً إلى تجاوز ما سبق, بل يسعى إلى تجاوز ما كان قد أنجزه هو نفسه, فإذا كل مرحلة من حياته الشعرية تختلف عن سابقتها, بل كل قصيدة تختلف عن سابقتها, وتحقق تطوراً نوعياً, هذا ما يسعى إليه الشاعر الحق, وهذا ما أكده الشعراء الكبار, الذين حفظ التاريخ أسماءهم, ومن غير ذلك السعي إلى التجاوز المستمر لا يستطيع الشاعر أن يحتفظ بوجوده شاعراً حياً . ومثل هذا التطور ليس استجابة إلى حسّ المبدع ورغبته في التجديد فحسب, بل هو استجابة أيضاً إلى الواقع, الذي هو في تغير مستمر, بل هو استجابة للتصور المستقبلي, لأن اهتمام المرء, بالإضافة إلى الشاعر, لم يعد مقتصراً على الحاضر, بل إن كل فرد يستشرف المستقبل, ويحرص على العمل لأجله, ولعل الشاعر أكثر الناس استشرافاً للمستقبل.‏

ويرجع هذا التطور الكبير الذي شهده الشعر العربي الحديث, بالإضافة إلى ما تقدم, إلى ثقافة الشاعر, واطلاعه على تراثه الشعري العربي, وعلى الشعر العالمي, واتصاله دائماً بكل ما هو جديد, وحرصه على أن يكون له مكانه في خريطة الشعر العربي والعالمي, وهو في أثناء ذلك لم يكن منقطعاً عن تراثه الشعري, بل كان مرتبطاً به, وصادراً عنه, ولكن بتملكه وتمثله, وليس بالخضوع له وتكراره. تشهد على ذلك المؤلفات النقدية الكثيرة لشعراء معاصرين أمثال أدونيس وصلاح عبد الصبور وعبد الإله الصائغ وعبد العزيز المقالح وخليل حاوي, وغيرهم كثير. ولم يكن الشاعر العربي القديم أقل ثقافة من الشاعر المعاصر, تشهد على ذلك أيضاً مصنفات عبدالله بن المعتز وأبي تمام والمعري وابن سناء الملك وغيرهم. ويشهد على ذلك أيضاً الشعر كله, من قديمه إلى جديده, فهو دائماً حافل بإشارات تدل على ثقافة الشاعر. من ذلك قول الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني مخاطباً النعمان بن المنذر:‏

واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد‏

قالت ألا ليتما هذا الحم¯ام لنا إلى حمامتنا ونصفه فق¯¯¯د‏

فحسّبوه فألفوه كما حسبت تسعاً وتسعين لم تنقص ولم ت¯¯زد‏

فهو يشير إلى قصة زرقاء اليمامة, ويرجو الممدوح أن يكون مثلها في بعد النظر, ومن ذلك أيضاً قول أحمد شوقي :‏

الحسن حلفت بيوسفه والسورة أنك مف¯رده‏

وتمنت كل مقطعة يدها لو تبع¯ث تش¯هده‏

فهو يذكر جمال الحبيب ويشير في هذا السياق إلى قصة يوسف عليه السلام التي وردت في القرآن الكريم. ويظهر شيء من ثقافة صلاح عبد الصبور حين يلخص موقف بعض الشعراء من الحياة ونظرتهم إليها, فيقول في قصيدة عنوانها "مساءلات", وفيها يقول: يسألني بول اليوار/ عن معنى الكلمة/ الحرية/ يسألني برت بريخت/ عن معنى الكلمة/ العدل / يسألني دانتي اليجري/ عن معنى الكلم¯¯ة/ الح¯ب/ يسألني المتنبي/ عن معنى الكلمة/ العزة/ يسألني شيخي الأعمى/ عن معنى الكلمة / الصدق/ تتزاحم أسئلتهم حولي/ لا أملك رداً/ أستعطفهم وأنام .‏

أراد الشاعر صلاح عبد الصبور أن يتحدث عن افتقاد قيم الصدق والعدل والحرية والحب في الحياة المعاصرة, فلم يعبر عن ذلك مباشرة, إنما جعل أولئك الشعراء حاملي تلك القيم يسألونه عنها, فاعتذر عن الإجابة, لأنه في واقع الحياة المعاصرة يفتقدها, وقد استعان بالثقافة للتعبير عن هذا الموقف. وكان الشاعر على مرور العصور من أكثر الناس ثقافة وسعة اطلاع, مما يؤكد أن الشعر ليس نتاج الموهبة والتجربة فحسب, بل هو نتاج الثقافة أيضاً , والثقافة هي التي تساعد الشاعر على التجديد في الشعر وتطويره, وهي التي تساعده على صنع مكانته في عالم الشعر. ومن هنا كان الاختلاف بين جمهور المتلقين وجمهور الشعراء, فهؤلاء يسعون دائماً إلى ماهو أكثر تطوراً وإلى ماهو أكثر عمقاً, فينتجون شعراً يسعون به دائماً إلى التجديد والتجاوز, منطلقين من ثقافة واسعة واطلاع, هذا مايفعله جمهور الشعراء, على حين ينطلق جمهور المتلقين مما كانوا قد ثقفوا من شعر, ومما رسخ في نفوسهم من مفاهيم, تحولت إلى معايير, فإذا هم يتلقون الشعر الجديد المتطور بوسائل ومفاهيم قديمة لاتجاري الشعر الحديث, ومن هنا يكون الاختلاف, هو اختلاف بين قارئ يتابع, مشدود إلى الماضي, وإلى ما استقر , وشاعر منجذب إلى المستقبل, طامح إلى كل ما هو جديد ومتغير.‏

ولذلك يحدث الشعر الجديد دائماً لدى المتلقي صدمة, فينفر من الشعر الجديد وينكره, وينكر قائله, هذا ما شهده بشار بن برد, وما عانى منه أبو تمام, وما قاسى منه المتنبي, وما لقيه أيضاً بدر شاكر السياب, ولكن شعر أولئك جميعاً أصبح اليوم مألوفاً جداً لدى جمهور المتلقين, حتى شعر السياب نفسه.‏

ولذلك فإن ما هو جديد سرعان ما سيغدو قديماً, وسيظهر جديد آخر. يؤكد ذلك موقف عباس محمود العقاد من أحمد شوقي في مرحلة, ومن صلاح عبد الصبور في مرحلة تالية, فهو الذي أنكر شعر أحمد شوقي في المرحلة الأولى, وحمل عليه, ودعا إلى التجديد, وربط الشعر بالحياة, وتعبيره عن الذات, ووحدة القصيدة , وهو الذي أنكر في المرحلة التالية شعر صلاح عبد الصبور, وعدّه نثراً, لأنه تجاوز دعوته, التي أصبحت قديمة, وأتى بما هو جديد, فكان بالنسبة إليه صدمة, لم يستطع تقبلها, لأنه كان قد استقر على ما وصل إليه, وجمد عنده.‏

حلب
ثقافة
الاحد25-5-2008
د0 أحمد زياد محبك
 
أساسيات العلوم - SciBasics © 2010 | تعريب وتطوير : سما بلوجر | Designed by Blogger Hacks | Blogger Template by ColorizeTemplates