-
اتبعني
تابعني على تويتر
-
التدوينات RSS
اشترك في خدمة RSS
-
فيس بوك
انضم للمعجبين في FACEBOOK
الوضوء في القرآن دراسة فقهية موضوعية لآية الوضوء
المـقــدمـة
قال تعالى: {فَإِنْ تَنَاْزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوْهُ إِلى الله وَالْرَّسُوْلِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُوْنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأوِيْلاً}(1 )...
* * *
من المسائل التي تنازع فيها المسلمون منذ القرن الأول لبزوغ فجر الإسلام مسألةُ الوضوء، وقد استمر نزاعُهُم فيها إلى يومنا هذا، وليس ذلك لأنهم لم يردُّوها إلى الله ورسوله، وإنما لأمرين:
الأول: الاختلاف والتعارض الحاصل بين الروايات المنسوبة إلى الرسول (ص) في كيفية الوضوء.
الثاني: انعدام الموضوعية عند الرجوع إلى آية الوضوء واستنباط الأحكام الواردة فيها، والتأثر – في محاولة تفسيرها وفهمها – بالآراء الفقهية المسبقة، والتي لا تخلو من طابع مذهبي.
هذا البحث الذي بين أيدينا لن يتعرض للأمر الأول، وإنما سوف يحاول أن يحل إشكالية الأمر الثاني، وذلك بأن يستنطق الآية الكريمة بكل حياد وموضوعية، مستعيناً على ذلك باللغة العربية وقواعدها بالدرجة الأولى، ومُعرِّجاً على بعض ما ذُكر في بعض الكتب المهمة من تفاسيرَ وغيرها.
وعليه فسوف نقوم بتجزئة الآية إلى سبعة مقاطع، نبحث في كل مقطع منها عن المعاني التي يمكن استفادتها منه بحسب نظام اللغة، مستعرضين أقوال وآراء بعض الفقهاء والمفسرين، ومن تكلموا في آيات الأحكام، لنرى مدى انسجام تلك الأقوال والآراء مع ما يُسعفنا به نظام اللغة، وأخيراً نخلصُ في نهاية كل مقطع إلى نتيجة تُلخِّص ما يمكن أن نستفيده من ذلك المقطع من أحكام بعيداً عن الروايات.
* * *
وستكون خطة البحث كما يلي:
اختصاص حكم وجوب الوضوء بالمؤمنين أو شموله لهم ولغيرهم.
القيام إلى الصلاة.
إطلاق حكم وجوب الوضوء للمتطهر وغيره.
غسل الوجه:
- معنى الغسل.
- المراد بالوجه وحدوده.
- كيفية غسل الوجه.
غسل اليدين إلى المرفقَين:
- معنى اليد.
- معنى المرفَق.
- معنى (إلى)، ودخول المرافق في المقدار المغسول أو عدم دخولها.
- كيفية غسل اليدين.
مسح الرأس:
- معنى المسح.
- معنى (الباء).
- المقدار الواجب مسحه من الرأس.
حكم الرجلَين:
- معنى الكَعْب.
- غسل الأرجل أو مسحُها.
- قراءة الرفع.
- قراءة النصـب.
- قراءة الجر.
- نتيجة القراءتين المتواترتين.
الخـــــاتمة.
* * *
وقبل أن يُعترَض بأن: الروايات مما ليس منه بد، وأنه لا يمكننا أن نستغني عنها، ونكتفي بالكتاب الكريم في استنباط الأحكام الشرعية - نقول: إن هذا صحيح، ولسنا ندعي - في بحثنا هذا - إمكانية الاستغناء بالكتاب الكريم عن السنة الشريفة في مجال الأحكام الشرعية.
ولكن هناك – لا محالة – مجموعةٌ من الأحكام الشرعية التي يمكننا أن نستفيدها مباشرة من القرآن، دون الحاجة للرجوع إلى ما ورد في الروايات، وغايتنا من هذا البحث هي معرفة ما إذا كان في آية الوضوء أحكاماً من هذا القبيل، بحيث يمكننا أن نستفيدها من الآية مباشرة.
وثمرة البحث هي أننا لو تمكنا من أن نجد تلك الأحكام في آية الوضوء، وكانت من الأحكام المتنازع عليها بين المسلمين بسبب اختلاف وتعارض الروايات الواردة فيها، حينها سنكون ملزمين بأن نحكم القرآن لحل ذلك التعارض، فما وافق من تلك الروايات المتعارضة كتاب الله أخذنا به، وما خالفه منها ضربنا به عرض الجدار امتثالاً لأمره (ص).
ومن الله نستمد العون والتوفيق.
المقطع الأول
{يَاْ أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا}
اختصاصُ حُكم وجوب الوضُوء بالمؤمنينَ أو شمولُهُ لهم ولغيرهم
إن الظاهر من قوله تعالى: {يَاْ أَيُّهَاْ الَّذِيْنَ آمَنُواْ} هو اختصاص الحكم المذكور في الآية بالمؤمنين، وعدم شموله لغيرهم من الكفار الذين يذهب مشهور المسلمين إلى كونهم مكلفين بالفروع، ولذا فإن ظاهر الآية ينسجم مع الرأي المخالف للمشهور، والذي يذهب إلى أن الكفار ليسوا مكلفين بالفروع، وبناء على هذا الرأي يمكن لنا الالتزام بظاهر الآية، أي اختصاص الحكم بالمؤمنين.
ولا يخفى أن دعوى ظهور الآية في الاختصاص يبتني على القول بمفهوم الوصف، وأن الجملة الوصفية تدل على انتفاء الحكم المذكور فيها عمن انتفى عنه الوصف، فتكون الآية بذكر وصف الإيمان فيها دالةً على عدم ثبوت الحكم الوارد فيها لمن انتفى عنهم وصف الإيمان، وهم الكفار.
ولكن قد ثبت في علم الأصول أن لا مفهوم للوصف بالمعنى الذي يُراد للمفهوم، وهو انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء القيد( 2)، وأن غاية ما تدل عليه الجملة الوصفية هو ثبوت الحكم للواجد للوصف دون أن تتعرض لنفي طبيعي الحكم عن غيره، فهي ساكتة عن الفاقد للوصف، وحكمه لا يُستفاد منها.
ودعوى لَغْوية ذكر الوصف والتقييد به إن لم يكن له مفهوم – لأنه لا فائدة من ذكر الوصف إن كان الحكم ثابتاً حتى مع انتفائه – مدفوعةٌ بوجود بعض الفوائد المترتبة على التقييد بالوصف، والكافية لرفع محذور اللَّغوية من قبيل كثرة اهتمام المتكلم بالواجد للوصف.
فالمؤمنون – دون غيرهم - يمتلكون من المؤهلات ما يجعلهم المهيئين للامتثال، والمنتفعين بالأعمال دون سواهم ممن ليسوا مهيئين لذلك لفقدهم الإيمان، وإن كانوا مشمولين بالخطاب.
وقد أشار إلى ذلك صاحب (زبدة البيان)، عندما قال: >تخصيص المؤمن بالخطاب لأن الكافر لم يقم إلى الصلاة، ولأنه [أي المؤمن] المنتفعُ به كما في أكثر التكاليف<( 3).
كما وذكره - أيضاً - المقداد السيوري في كتابه (كنز العرفان في فقه القرآن)، حيث قال: >قوله تعالى: {يَاْ أَيُّهَاْ الَّذِيْنَ آمَنُوا} مورد سؤال تقريرُهُ أنه يلزم اختصاص الوجوب بالمؤمنين مع أن عندكم الكافر مكلف بالفروع؟ جوابه: اللزوم من حيث مفهوم المخالفة، وليس بحجة عندنا، ووجه التخصيص باللذين آمنوا أنهم المتهيئون للامتثال، المنتفعون بالأعمال<( 4).
خلاصة المقطع:
والخلاصة أنه لا يمكننا أن نستفيد من الآية نفي الحكم عن غير المؤمنين حتى نحتاج إلى صرفها عن ظاهرها لتنسجم مع رأي المشهور القائل بأن الكفار مكلَّفون بالفروع، بل هي بظاهرها منسجمة مع المشهور ومع ما خالفه من الآراء، لأن المستفاد منها هو ثبوت الحكم للمؤمنين من دون الدلالة على اختصاصه بهم، وهذا لا ينافـي المشهور، ولا غيره.
المقطع الثاني
{إِذَاْ قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاْةِ}
القيامُ إلى الصَّلاة
يمكن أن نتصور القيام في قوله تعالى: {إِذَاْ قُمْتُمْ إِلَىْ الصَّلاةِ} على ثلاثة معان:
المعنى الأول: إذا قمتم قيام الدخول في الصلاة.
وإليه ذهب أكثر المفسرين مع الالتزام بوجود مُقدَّر محذوف وهو الإرادة، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، ومع عدم الالتزام المذكور لا يمكن المصير إلى هذا المعنى لاستلزامه تأخر الوضوء عن الصلاة، وهو باطل إجماعاً، إذ إن الأمر بالوضوء بعد التلبس بالصلاة مخالفٌ لشرطية الطهارة للصلاة.
وأرجع القائلون بهذا المعنى إطلاقَ القيام وقصد الإرادة إلى إطلاق المسبَّب وإرادة السَّبب، فالإرادة هي سبب القيام الذي هو فعل اختياري معلول للإرادة ومسبوق بها كبقية الأفعال الاختيارية، أي أن استعمال القيام في الإرادة هو استعمال مجازي تصحِّحُهُ العلاقة الموجودة بين الإرادة والقيام، وهي علاقة السَّببية والمسبَّبية.
ونظيرُ ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا قَرأْتَ القُرآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله}(5 )، أي: إذا أردت قراءة القرآن، وقوله عز من قائل: {وَإِذَا كُنْتَ فِيْهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ}( 6)، أي: فأردت أن تقيم لهم الصلاة، ونظيرُهُ أيضاً قولك: إذا ضربتَ فاتَّقِ الوجه، أي: إذا أردت الضربَ.
وممن ذهب إلى هذا المعنى صاحب (روح المعاني)، وذكر أن من فوائد مثل هذا الاستعمال المجازي الإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة (7 ).
وإليه ذهب صاحب (التبيان)(8 )، و(مجمع البيان)( 9)، والأردبيلي(10 )، والقرطبي حيث قال: >ومعنى {إِذَاْ قُمْتُم} إذا أردتم... لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن<(11 ).
وكذلك الزمخشري الذي رأى أن جواز التعبير عن إرادة الفعل به راجعٌ إلى أن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، حيث قال: >فإن قلتَ: لم جاز أن يُعبَّر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلتُ: لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهو قصده إليه وميلهُ وخلوصُ داعيه، فكما عُبِّر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يُبصر، أي: لا يقدران على الطيران والإبصار، ومنه قوله تعالى: {كَمَا بَدأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}( 12)، يعني إنا كنا قادرين على الإعادة، كذلك عُبِّر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك لأن الفعل مسبَّبٌ عن القدرة والإرادة، فأقيم المسبَّب مقام السَّبب للملابسة بينهما، ولإيجاز الكلام<(13 ).
وذهب صاحب (الميزان) إلى أبعد من ذلك، حيث رأى أن تعدِيَة القيام بـ (إلى) يُحتمَل أن يكون كناية عن إرادة الشيء المذكور بعدها، للملازمة والقِران بين إرادة الشيء والقيام إليه، فإن إرادة الشيء لا تنفك عن الحركة إليه(14 )، وعليه يكون معنى قوله: {إِذَاْ قُمْتُمْ إِلَىْ الصَّلاةِ}: إذا أردتم الصلاة.
المعنى الثاني: إذا قمتم قيام تهيؤ واستعداد للصلاة.
ذهب إلى هذا المعنى المقداد السيوري حيث قال: >قيام الصلاة قسمان: قيام للدخول فيها، وقيام للتهيؤ لها، والمراد هنا الثاني<(15 )، وردَّ التقدير المذكور بناء على القول بالمعنى الأول بقوله: >وفيه نظر لأن معنى الإرادة مفهوم من العقل، لا من اللغة، بل ما من فعل إلا وهو مسبَّبٌ عن الإرادة، فتخصيصُ القيام يفتقر إلى مخصِّص<(16 )، ورأى أن فيه إخراجاً لـ (إلى) عن موضوعها الحقيقي وهو كونها للغاية الزمانية أو المكانية، وهذا الإخراج مرجوح، لأن الحقيقي أولى من غيره، فاللازم هو أن نقدر زماناً تكونُ (إلى) موضوعة لغايته، ويكون التقدير: إذا قمتم زماناً ينتهي إلى الصلاة، وبكلمة أخرى: إذا قمتم في زمان ينتهي بكم إلى الصلاة. وعليه فلا مجاز في القيام، بل يبقى على حقيقته، والمقدَّر هو الزمان الذي اقتضاه الفعل مع لفظة (إلى)( 17).
المعنى الثالث: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة.
وهذا المعنى دلَّت عليه الروايات، ولا طريق إلى استفادته من الآية دون الرجوع إلى تلك الروايات، ولذا فإنه يكون خارجاً عن بحثنا.
ولعل الأقرب – بحسب الآية - المعنى الثاني، لأن قيام الدخول في الصلاة ليس قياماً إلى الصلاة، وإنما هو قيام لها، والآية عبَّرت بـ (إلى)، وليس باللام، مما ينسجم مع قيام التهيؤ والاستعداد، الذي هو قيام ينتهي بالمرء – كما ذكر السيوري – إلى الصلاة، وهكذا نحافظ على المعنى الذي وُضِعت له (إلى)، وهو الغاية، ونلتزم بظاهر الآية، دون الحاجة إلى التوسل بالتقديرات التي ذُكِرت من مجاز وكناية.
خلاصة المقطع:
نخلص مما سبق إلى أن المراد بالقيام إلى الصلاة في الآية هو قيام التهيؤ والاستعداد لها من أجل الدخول فيها.
المقطع الثالث
{إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلاْةِ فَاغْسِلُوا}
إطلاق حكم وجوب الوضوء للمتطهر وغيره
تقرر في علم الأصول أن الأمر ظاهر في الوجوب، ولذا فإن المستفاد من ظاهر الآية هو وجوب الوضوء حين القيام إلى الصلاة، أي أن هذا الوجوب شامل لكل من قام إلى الصلاة حتى لو كان متطهراً، وهذا خلاف ما هو متفقٌ عليه عند جميع المسلمين من أن المتطهر لا يجب عليه الوضوء إذا قام إلى الصلاة، ولذلك ذُكِرت عدة أقوال حاولت تكييفَ ظاهر الآية مع ما اتفق عليه، منها:
1/ أن الآية مطلقة أُريد بها التقييد.
وممن ذهب إلى هذا القول المقداد السيوري حيث قال: >والحق أن المراد: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، فهو مطلقٌ أُريد به التقييد<(18 )، والطبرسي: >معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم على غير طهر<(19 )، وذكر الطوسي أن هذا مختار الطبري والبلخي والزجاج وغيرهم، ثم اختاره هو – بعد تعقيبه بعدد من الأقوال – بقوله: >وأقوى الأقوال ما حكيناه أولاً من أن الفرض بالوضوء يتوجه إلى من أراد الصلاة وهو على غير طهر، فأما من كان متطهراً فعليه ذلك استحباباً<( 20)، ورجحه القرطبي بعد أن اعتبره قول جمهور أهل العلم(21 )، وأكد عليه الآلوسي بقوله: >فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، بقرينة دلالة الحال، ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم، فلو لم يكن له [أي للحدث] مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلاً، وقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاْءً}(22 ) صريحٌ في البدلية، وبعض المتأخرين أن في الكلام شرطاً مقدَّراً، أي: {إِذَاْ قُمْتُمْ إِلَىْ الصَّلاةِ...}... إلخ، إن كنتم محدثين، لأنه يلائمه كل الملائمة عطف {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} عليه<( 23). واحتمله الزمخشري عندما قال: >يُحتمَل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدِثين خاصة<(24 ).
وفيه: أن الآية خالية من التقييد المذكور، وهو تقييد يفرضُهُ ارتكازٌ في الذهن متولِّدٌ من خارج الآية.
2/ أن الأمر في الآية للاستحباب، فكل من قام إلى الصلاة يستحب له الوضوء سواء كان متطهراً، أو غير متطهر، أما وجوب الوضوء على المحدِث فقد دلَّت عليه أدلة أخرى.
وقد ذكر الآلوسي هذا القول ثم استبعده للإجماع على أن وجوب الوضوء مستفاد من نفس الآية، ولأن استحباب الوضوء مختصٌ بغير المحدثين، ولا مخصِّص لهم في الآية دون غيرهم من المحدثين( 25)، واحتمله الزمخشـري(26 )، والأردبيلي( 27)، وذكره القرطبي ثم ردَّ عليه بقوله: >وظاهر هذا القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحباً لا إيجاباً، وليس كذلك، فإن الأمر إذا ورد مقتضاه الوجوب<( 28).
3/ أن الأمر في الآية للوجوب، وأن الوضوء كان واجباً على كل قائم إلى الصلاة متطهراً وغير متطهر، ثم نسخ هذا الحكم تخفيفاً برفعه عن المتطهر، فبقي مختصاً بالمحدث.
ذكره الآلوسي(29 ) والطبرسي( 30) والزمخشري(31 ) والقرطبي(32 ) والطوسي(33 ) والمقداد السيوري( 34)، والأردبيلي الذي أتبعه بقوله: >ولي في النسخ تأمل<(35 ).
4/ أن الأمر في الآية ندبٌ بالنسبة إلى المتطهرين، ووجوبٌ بالنسبة إلى المحدثين.
ذكره الآلوسي أيضاً، واعتبره أبعد من القول الثاني( 36)، وقال الزمخشري بعدم جوازه، لأن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية ( 37)، وتأمل الأردبيلي في كلام الزمخشري، حيث اعتبر أن استعمال اللفظ في وقت لمعنييه الحقيقي والمجازي في إطلاق واحد مجازٌ، والمجاز ليس بإلغاز، إلا أنه عاد واستبعد هذا القول لعدم القرينة الدالة على هذا المجاز( 38).
5/ أن الآية ليست مطلقة من هذه الجهة، لأنها - ككثير من الآيات المثبتة للأحكام الشرعية - بصدد بيان أصل تشريع الحكم من دون الدخول في تفاصيله، فلا إطلاق فيها يمكن التمسك به، لأن الإطلاق يبتني على ركائز أساسية تسمى (مقدمات الحكمة)، والتي من أهمها كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده بخطابه، وهذه الركيزة مخرومة في الآية لكونها - كما ذكرنا - بصدد بيان أصل التشريع دون الدخول في التفاصيل.
وهذا القول يتضمن قاعدة كلية في الآيات الدالة على الأحكام الشرعية، إلا أنه لا يمكن الالتزام بها دائماً، بل يبدو أنها - إن صحت - تختلف باختلاف الموارد.
ولعل هذا القول هو ما أشار إليه صاحب (الميزان) بقوله: >ولو تمَّ لها [أي للآية] إطلاقٌ لدلَّ على اشتراط كل صلاة بوضوء... لكن الآيات المشرِّعة قلَّما يتم لها إطلاقٌ من جميع الجهات<(39 ).
وهناك أقوال أخرى في المسألة من قبيل وجوب الوضوء لكل صلاة (40 )، أو أن هذا إعلامٌ بأن الوضوء لا يجب إلا للصلاة ( 41).
ولا يخفى أنه على القول بالمعنى الثالث للقيام – وهو القيام من النوم – لا يبقى إشكالٌ في الآية من هذه الجهة، لاختصاصها - حينئذ - بالمحدثين، باعتبار النوم أحد نواقض الوضوء.
ولكن باعتبار أننا استقربنا المعنى الثاني للقيام فيمكن أن نرجِّح في حل هذه الإشكالية ما ذكره صاحب (الميزان)، وذلك أن الآية ليست ناظرة إلى مسألة من الذي يجب عليه الوضوء، ومن الذي لا يجب عليه، وإنما هي – كما ذكرنا – بصدد بيان حكم شرعي، وهو وجوب الوضوء للصلاة، وأنه لا صلاة إلا بطهور.
خلاصة المقطع:
والخلاصة أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، دون المتطهِّر، وما قد يُذكر من أن الآية أطلقت حكم وجوب الوضوء، وجعلته شاملاً للمتطهِّر وغيره غيرُ صحيح، لأن الآية بصدد بيان أصل تشريع الحكم من دون الدخول في تفاصيله، فلا إطلاق فيها يمكن التمسك به من هذه الجهة.
المقطع الرابع
{فَاغْسِلُواْ وُجُوْهَكُمْ}
غسل الوجه
معنى الغسل:
الغسل في اللغة: هو إزالة الوسخ والتنظيف بالماء( 42)، وغَسَل الشيء: طَهَّرهُ بالماء وأزال الوسخ ونحوه عنه بإجراء الماء عليه(43 ).
وقريبٌ من هذا ما ذكره الطباطبائي حين قال: >الغسل – بفتح الغين – إمرار الماء على الشيء، ويكون غالباً لغرض التنظيف وإزالة الوسخ والدرن<( 44).
وأما القرطبي فقد اعتبر في الغسل إمرار اليد مع الماء على المغسول، ولم يكتفِ بمجرد إفاضة الماء على المغسول، أو غمسه فيه(45 )، ثم نقل قولاً بكفاية إجراء الماء دون الدلك باليد(46 ).
واشترط الصابوني والطبرسي والآلوسي إمرار الماء على المحل حتى يسيل( 47)، وذكر الأول منهما أن حدَّ الإسالة عند بعضٍ أن يتقاطر الماء ولو قطرة، وبعضٌ لا يشترط التقاطر، وأما الدلك فليس من حقيقة الغسل خلافاً لمالك( 48). وفسَّر الأردبيلي الإسالة بقوله: >وأقلهُ [أي أقلُّ الغسل] أن يجري ويتعدى من شعر إلى آخر<( 49). ووافق المقدادُ السيوريُّ الآلوسيَّ والجصَّاصَ في عدم الحاجة إلى الدلك(50 ).
ويمكن أن نستخلص مما سبق أن الغسل هو إمرار للماء، بل وإجراء له حتى يسيل على الشيء المغسول بجريانه عليه وتعديه من جزء إلى آخر.
المراد بالوجه وحدوده:
الوجه لغة: أول ما يبدو للناظر من البدن(51 )، أو ما يواجهك من الرأس، وفيه العينان والفم والأنف(52 ).
وكما كان الأقربَ إلى اللغة في تعريفه الغسل، كذلك كان الطباطبائي في تعريفه للوجه حيث قال: >والوجه ما يستقبلك من الشيء، وغلب في الجانب المقبل من رأس الإنسان مثلاً، وهو الجانب الذي فيه العين والأنف والفم، ويُعيَّن بالظهور عند المشافهة<( 53)، ثم ذكر تحديداً ورد في روايات عن بعض أعلام أهل بيت النبي (ص) بما بين قصاص الشعر من الناصية وآخر الذقن طولاً، وما دارت عليه الإبهام والوسطى والسبابة.
وقد اعتمد هذا التحديد كل من الطوسي(54 ) والطبرسي( 55) والأردبيلي(56 ) والبلاغي( 57)، وذكر كل من القرطبي(58 ) والآلوسي( 59) والصابوني( 60) والجصَّاص( 61) نفس التحديد مع اختلاف وهو كون العرض من الأذن إلى الأذن.
وهناك قول آخر زاد على ما ذُكر ما خفيَ على عين الناظر مما كان داخل الفم والأنف، وما أقبل على الوجه من الأذنين( 62)، وقال أصحابه بوجوب غسل جميع ذلك، ومن ترك شيئاً منه لم تجزهُ الصلاة(63 ).
وعليه فإن تحديد الوجه جاء على ثلاثة أقوال:
الأول: من قصاص شعر الرأس في أعلى الجبين إلى أسفل الذقن طولاً، وما دارت عليه الإبهام والوسطى عرضاً.
الثاني: من قصاص شعر الرأس إلى أسفل الذقن طولاً، وما بين الأذنين عرضاً.
وهذان القولان لا يعتبران إلا ما ظهر من بشرة الإنسان لعين الناظر دون ما بطن من داخل الفم والأنف والعين، أو ما خفيَ تحت الشعر الكثيف، والذي يجزي فيه إمرار الماء على ما علاه من الشعر(64 )، أما إن كان الشعر خفيفاً فيجب إيصال الماء لما تحته من البشرة ( 65).
الثالث: كل ما دون منابت الشعر من الرأس إلى منقطع الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، ما ظهر من ذلك لعين الناظر من منابت شعر اللحية والعارض وما بطن، وما كان منه داخل الفم والأنف، وما أقبل على الأذنين من الوجه.
وهذا القول الثالث في تحديد الوجه لا ينسجم مع المعنى اللغوي له، لأن البواطن لا تُعدُّ من الوجه وفقاً للغة، ولذا فإن القولان الأول والثاني أقرب إلى المعنى اللغوي للوجه من الثالث، ولعل الثاني – إذا ما غضضنا الطرف عن الروايات الواردة في المقام – أقربُ من الأول.
كيفية غسل الوجه:
إن مقتضى إطلاق الآية هو وجوب غسل الوجه كيفما اتفق، أعني سواء كان غسله من الأعلى إلى الأسفل، أو لم يكن كذلك، لأن الغسل – كما أسلفنا – هو إمرار الماء على العضو، وهذا الإمرار كما يتحقق في صورة الغسل من الأعلى إلى الأسفل، كذلك يتحقق في صورة الغسل من الأسفل إلى الأعلى.
وقد ذهب جمع من فقهاء المسلمين إلى وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل، وعدم جواز النكس( 66)، واستدلوا على ذلك تارة بالأخبار البيانية، وأخرى بأصالة الاشتغال؛ حيث لا يُقطع بفراغ الذمة مع النكس.
ويمكن ردُّ هذين الدليلين بأن الفعل أعم من الوجوب، كما أنه مع إطلاق الآية - الذي هو دليل محرز – لا معنى للرجوع إلى الأصل(67 ).
وممن وافق ظاهر الآية وذهب إلى جواز النكس ابن إدريس(68 ) حيث قال: >وكذلك لو غسل الوجه منكوساً يبدأ من المحادر إلى القصاص لأجزأهُ على الصحيح من المذهبين، وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطه: لا يجزيه، والأول أظهر، لأنه يتناوله اسم غاسل، وإذا تناوله فقد امتثل الأمر وأتى بالمأمور به بلا خلاف<(69 )، وكذلك المرتضى فيما حكاه عنه المحقق الحلي بقوله: >وفي إجزائه [أي النكس] قولان: قال علم الهدى (ره): يجزي لكن يكره<( 70)، كما وحكاه عنه صاحب (الجواهر)(71 )، وصاحب (المختلف)(72 ).
خلاصة المقطع:
نخلصُ من هذا المقطع إلى وجوب غسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى أسفل الذقن طولاً، وما بين الأذنين عرضاً، وذلك بإمرار الماء وإجرائه حتى يسيل على الوجه، ويجري عليه متعدياً من جزء إلى آخر. ولا يجب أن يكون الغسل من أعلى الوجه إلى أسفله، بل هو مجزئ كيفما اتفق.
المقطع الخامس
{وَأيْدِيَكُم إِلَىْ المَرَافِقِ}
غسل اليدين إلى المرفقين
معنى اليد:
تطلق اليد في اللغة على الكف( 73)، كما وتطلق – أيضاً – على عضو الجسد الممتد من أطراف الأصابع إلى الكتف(74).
قال القرطبي: >اليد عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف<(75 )، وهذا ما ذكره الجصَّاص( 76)، وبه عرفها البلاغي( 77).
أما صاحب (الميزان) فقد أضاف لها معنىً ثالثاً، لم أجد له أثراً في كتب اللغة، وهو الممتد من أطراف الأصابع إلى ما دون المرفق، ورأى أن لفظ (اليد) مشترك بين المعاني الثلاثة، ولابد - عند إرادة أحدها - من قرينة تعيِّنُهُ، وفيما يلي نصُّ كلامه: >هي العضو الخاص الذي به القبض والبسط والبطش وغير ذلك، وهو ما بين المنكب وأطراف الأصابع، وإذا كانت العناية في الأعضاء بالمقاصد التي يقصدها الإنسان منها، كالقبض والبسط في اليد مثلاً، وكان المعظم من مقاصد اليد تحصل بما دون المرفق إلى أطراف الأصابع، سُمِّيَ أيضاً باليد، ولذلك بعينه ما سُمِّيَ ما دون الزند إلى أطراف الأصابع، فصار اللفظ بذلك مشتركاً أو كالمشترك بين الكل والأبعاض. وهذا الاشتراك هو الموجب لذكر القرينة المعيِّنة إذا أُريد به أحد المعاني<(78 ).
وقد ذهب كاشفُ الغطاء إلى نفس ما ذهب إليه صاحبُ (الميزان) من معاني اليد عندما قال: >فتارة يراد من اليد عندهم [أي عند العرف] خصوص الكف التي هي عبارة عن الأصابع إلى الزند، وتارة أخرى تطلق إلى المرفق، وثالثة إلى الكتف<( 79).
ولا ضير أن نلتزم في معنى اليد بما ورد في كتب اللغة.
معنى المرفق:
المرفق: موْصِل الذراع في العَضُد(80 )، ويقرأ بكسر الميم وفتح الفاء، ويجوز العكس، إلا أن الأول أفصح، وسُمِّيَ مِرفَقاً لأنه المكان الذي يرتفق به، أي: يتكأ عليه من اليد(81 )، وقد عرَّفه البلاغي بقوله: >هو مجمع عظمَي الذراع والعَضُد<( 82)، ولا خلاف بين المفسرين والفقهاء وأهل اللغة في أن هذا هو معنى المرفق المراد في الآية.
معنى (إلى)، ودخول المرافق في المقدار المغسول أو عدم دخولها:
تستعمل (إلى) في اللغة العربية لمعان عدة أوصلها البعض إلى ثمانية (83 )، ولكن ما يهمنا من هذه المعاني هي تلك التي يحتمل أن تكون المراد بـ (إلى) في الآية، وهي ثلاثة معان:
الأول: أن تكون بمعنى (من) الابتدائية (84 )، وبناء على هذا المعنى يكون المقصود في الآية: اغسلوا أيديكم من المرافق، فتدخل المرافق فيما يجب غسله، بل ويجب – على هذا المعنى – أن يُبتدأ الغسل بها، كما هو مختار جمع من فقهاء المسلمين، كما سيأتي.
ولكن هذا المعنى ليس هو المعنى الذي وضعت له لفظة (إلى)، فلا يمكن المصير إليه إلا بدليل، وهو مفقود في المقام.
الثاني: أن تكون بمعنى (مع)، ذكره ابن الحاجب في كافيته(85 )، وابن هشام في (المغني)(86 )، وذهب إليه الطوسي، حيث قال: >و(إلى) في الآية بمعنى (مع)، كقوله: {وَلاْ تَأْكُلُوْا أَمْوَاْلَهُمْ إِلَىْ أَمْوَاْلَكُمْ}(87 )، وقوله: {مَنْ أَنْصَاْريْ إِلَىْ الله}(88 )، وأراد بذلك (مع)...<( 89). ويجعلون منه – أيضاً – قوله تعالى: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىْ قُوَّتِكُمْ}( 90).
وقد حكى الطبرسي عن الواحدي قوله: >كثير من النحويين يجعلون (إلى) هنا بمعنى (مع)، ويوجبون غسل المرفق، وهو مذهب أكثر الفقهاء<( 91)، ثم نقل اعتراض الزجاج على القائلين بهذا المعنى بأنه لو كان المراد (مع المرافق)، لما كان في ذكر المرافق فائدة، وكانت اليد كلها يجب أن تغسل، من الكتف وحتى رؤوس الأصابع، لأن اليد تطلق على هذا المعنى، فلِكَيْ يكون في ذكر المرافق فائدة، يجب أن يكون معنى (إلى) انتهاء الغاية، أي أن المرافق هي الحدُّ الذي ينتهي الغسل عنده(92 ).
ثم عقَّب الطبرسي ما نقله من كلام الزجاج بقوله: >والظاهر على ما ذكره<(93 )، لكنه رجع واستدرك بكلام ظاهرُهُ نقضُ كلام الزجاج، وهو قريب مما ذكره الطوسي في ردِّهِ على الزجاج حين اعتبر أن لازم كلامه وجوب البدء في الغسل برؤوس الأصابع، وعدم وجوب غسل المرافق، فردَّ عليه قائلاً: >لكن المرافق يجب غسلها، وهذا الذي ذكره [أي الزجَّاج] ليس بصحيح، لأنَّا لو خُلِّينا لقُلنا بما قالَهُ، لكن خرجنا بدليل، ودليلنا على صحة ما قلناه: إجماع الأمة على أنه متى بدأ من المرافق كان وضوؤه صحيحاً، وإذا جُعِلتْ غاية ففيه الخلاف<(94 ).
والحقُّ أن كلام الزجاج لا يستلزم عدم كون المرافق مغسولة حتى يُردَّ عليه بالقول: >لكن المرافق يجب غسلها<، كما أننا لم نجد في ردِّ الطوسي والطبرسي عليه ما يحل الإشكالية التي طرحها على القول بهذا المعنى، وهي عدم وجود فائدة في ذكر المرفق، لأنه داخل تحت اسم اليد، وجزء منها.
وممن طرح هذه الإشكالية - أيضاً – عند تعرضه لهذا المعنى القرطبي، حيث قال: >وقد قال بعضهم: إن (إلى) بمعنى (مع)... وهذا لا يُحتاج إليه... لأن اليد عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف... فالمرفق داخل تحت اسم اليد، فلو كان المعنى (مع المرافق) لم يُفِد، فلما قال: {إِلَى} اقتطع من حدِّ المرافق عن الغسل، وبقيَت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى<(95 ).
وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن كلام الزجاج لا يستلزم عدم غسل المرافق، خاصة إذا اعتبرنا (إلى) حداً للمتروك من اليدين، لا للمغسول منهما، كما هو ظاهر كلام القرطبي.
وقد ذكر هذا المعنى – دون تعليق – الآلوسي(96 )، وأما المقداد السيوري فقد رفضه بقوله: >والحق أنها للغاية<(97 )، وكذلك الرضي حيث قال: >والتحقيق أنها بمعنى الانتهاء<( 98)، وأبو البقاء بقوله: >وليس هذا المختار، والصحيح أنها على بابها، وأنها لانتهاء الغاية<( 99).
واحتمل المرتضى أن تكون للغاية، أو بمعنى (مع) حينما قال: >إن لفظة (إلى) قد تكون بمعنى الغاية، وقد تكون بمعنى (مع)، وهي في الأمرين حقيقة<(100 ).
وأما صاحب (الميزان) فقد ردَّ على القائلين بهذا المعنى بقوله: >وهو من عجيب الجرأة في تفسير كلام الله<(101 )، ورأى أن معنى (إلى) في قوله تعالى: {وَلاْ تَأْكُلُوْا أَمْوَاْلَهُمْ إِلَىْ أَمْوَاْلَكُمْ} هو تضمين الأكل معنى الضم ونحوه مما يتعدَّى بـ (إلى)، لا أن لفظة (إلى) - هنا - بمعنى (مع)( 102).
والحقيقة أن معنى (مع) ليس معنى حقيقياً لـ (إلى)، ومع عدم القرينة عليه لا يمكن المصير إليه، وأما الآيات التي ذُكرت في مقام الاستدلال على هذا المعنى فيمكن أن تفسَّر بأحد أمرين:
1/ أن سياقها يُعدُّ قرينة على أن (إلى) فيها بمعنى (مع)، حيث لا لبسَ في أن (إلى) في قوله تعالى: {مَنْ أَنْصَاْريْ إِلَىْ الله}، وقوله عزَّ وجل: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىْ قُوَّتِكُمْ}، وقوله جل وعلا: {وَلاْ تَأْكُلُوْا أَمْوَاْلَهُمْ إِلَىْ أَمْوَاْلَكُمْ} ليست بمعنى الغاية.
2/ أن نعتبر (إلى) في هذه الآيات بمعنى الانتهاء على أساس التأويل الذي ذكره صاحب (الميزان)، والذي ذهب إليه - أيضاً - الرضي في شرحه للكافية عندما قال: >قوله [أي قول ابن الحاجب]: >وبمعنى مع قليلاً<، كما في قوله تعالى: {وَلاْ تَأْكُلُوْا أَمْوَاْلَهُمْ إِلَىْ أَمْوَاْلَكُمْ}، والتحقيق أنها بمعنى الانتهاء، أي تضمُّونها، وكذا قوله تعالى: {وأَيْدِيَكُمْ إِلَىْ المَرَاْفِقِ}، أي: مضافة إلى المرافق<( 103).
وعلى هذا التفسير يكون قوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىْ قُوَّتِكُمْ} بمعنى: قوة مضافة إلى قوتكم، وكذلك قوله: {وَلاْ تَأْكُلُوْا أَمْوَاْلَهُمْ إِلَىْ أَمْوَاْلَكُمْ}، بمعنى: ولا تأكلوا أموالهم مضافة إلى أموالكم.
الثالث: أن تكون بمعنى انتهاء الغاية ( 104)، وهذا هو المعنى الحقيقي لـ (إلى) الذي وُضِعت له، وقد ذهب أكثر مفسري وفقهاء المسلمين إلى القول بهذا المعنى، ومنهم: القرطبي(105 ) والمقداد السيوري(106 ) والجصَّاص(107 ) والطباطبائي(108 ) وأبو البقاء(109 ) والبلاغي(110 ) والطبرسي( 111) والأردبيلي(112 )، وهو ظاهر كلام الآلوسي( 113)، وغيرهم كثير.
ولكنهم اختلفوا في دخول ما بعد (إلى)، وعدم دخوله في حكم ما قبلها، وقبل أن نعرِضَ لأقوالهم وآرائهم في هذه المسألة، لابد وأن نرجع إلى ما قالَهُ أهل اللغة فيها.
لا خلاف بين اللغويين أنه في حالة وجود القرينة على الدخول أو عدمه، فإنه يُعمل بها( 114)، فمثال القرينة على دخول الغاية في المغيَّى بـ (إلى) قوله تعالى: {سُبْحَاْنَ الذِيْ أَسْرَىْ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المسْجِدِ الحَرَاْمِ إِلَىْ المسْجِدِ الأقْصَى}(115 )، وقولك: >حفظتُ القرآن من أوله إلى آخره<، ومثال القرينة على عدم دخولها فيه قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوْا الصِّيَاْمَ إِلَىْ اللَّيْلِ}(116 )، وقوله جل وعلا: {فَنَظِرَةٌ إِلَىْ مَيْسَرَة}( 117)، ولا شك في وضوح القرينة في هذه الأمثلة وما شاكلها على الدخول وعدمه.
وأما في حالة عدم وجود القرينة فقد اختلف أهل اللغة على ثلاثة أقوال:
الأول: عدم دخول ما بعد (إلى) في حكم ما قبلها.
الثاني: دخول ما بعدها في حكم ما قبلها.
الثالث: التفصيل بين ما إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها، نحو: {وأَيْدِيَكُمْ إِلَىْ المَرَاْفِقِ}( 118) فيدخل، وبين ما إذا لم يكن من جنسه، نحو: {ثُمَّ أَتِمُّوْا الصِّيَاْمَ إِلَىْ اللَّيْلِ}( 119) فلا يدخل.
وقد يقال: إن الأول هو الأقرب، لأن الأكثر مع القرينة عدم الدخول، فيجب الحمل عليه عند التردُّد، وهذا هو ما ذهب إليه الرضي في شرح الكافية، وابن هشام في (المغني) بعد استعراضهما ما قالَهُ اللغويون في المسألة( 120).
ونحن إذا تأملنا هذا الذي ورد عن أهل اللغة، فإننا سندرك أن لفظة (إلى) بذاتها لا دلالة فيها على الدخول وعدمه، وإنما كانت تدل عليه مع القرينة، ومما يؤكد ذلك أنهم اتفقوا مع وجود القرينة على العمل بمؤداها إيجاباً وسلباً، واختلفوا في حال انعدامها، وكأن (إلى) بالنسبة إلى الدخول وعدمه كالمشترك الذي يحتاج إلى القرينة المعيِّنة لأحد معنييه، وبدونها فإنه يكون مجملاً، ولا دلالة فيه على أحد المعنيين دون الآخر.
وإذا لاحظنا القرينة في الأمثلة المذكورة فلن نجد علاقة بينها وبين نفس المعنى اللغوي الذي تؤديه لفظة (إلى)، وسندرك أن القرينة أمرٌ خارجٌ عن معنى (إلى)، ومستقل عنه، فالقرينة على الدخول في قوله تعالى: {سُبْحَاْنَ الذِيْ أَسْرَىْ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المسْجِدِ الحَرَاْمِ إِلَىْ المسْجِدِ الأقْصَى}(121 ) هي علمنا بأن النبي (ص) دخل بيت المقدس عندما أُسري به إليه، وفي قولك: >حفظتُ القرآن من أوله إلى آخره< هي كون الكلام مسوقاً لحفظ القرآن كله، والقرينة على الخروج في قوله عزَّ مِن قائل: {ثُمَّ أَتِمُّوْا الصِّيَاْمَ إِلَىْ اللَّيْلِ}( 123) أنه لو دخل الليل لوجب الوصال، وفي قوله جل وعلا: {فَنَظِرَةٌ إِلَىْ مَيْسَرَة}(124 ) هي أن الإعسار علة الإنظار، وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان مُنْظراً في كلتا الحالتين، معسراً وموسراً.
وعليه فإنه من الصحيح القول بأن (إلى) - بمجردها - مجملةٌ، لا تدل على الدخول أو الخروج، وغاية ما تفيده هو تحديد المقدار المفعول بغاية لا يتجاوزها الفعل، دونما إشارة إلى كون هذه الغاية ضمن المقدار المفعول وداخلة فيه، أو خارجة عنه، فمتى ما وُجِدت القرينة على أحد الأمرين عُمِل بها، ومتى انعدمت كان الكلام مجملاً من هذه الجهة.
وقد يقال: إنه في حال الإجمال، وعدم الإثبات إيجاباً وسلباً، فإن النفس تميل إلى السلب والعدم، لأنه الأصل عند الشك، ولعل هذا هو ما جعل الرضي وابن هشام يميلان - في حالة عدم وجود القرينة - إلى القول الأول.
ويتضح مما سبق أن لا دلالة في الآية - بحسب اللغة - على دخول المرافق في المقدار الواجب غسله من اليد، ولا على خروجها، وذلك لانعدام القرينة على أحد الأمرين، فتكون الآية مجملة من هذه الجهة، وهو ما ذهب إليه جمع من المفسرين والفقهاء، منهم: المقداد السيوري حيث قال: >والحق أنها للغاية، ولا يقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها، ولا خروجه... وحينئذ لا دلالة له على دخول المرفق<(125 )، والجصاص: >لأن قوله تعالى: {إِلَىْ المَرَاْفِقِ} لما احتمل دخول المرفق فيه، واحتمل خروجها، صار مجملاً مفتقراً إلى البيان<( )، والطبرسي: >لا دليل في الآية على دخول المرافق في الغسل<(126 )، وأبو البقاء: >لأن (إلى) تدل على انتهاء الفعل، ولا تتعرض بنفي المحدود إليه، ولا بإثباته<( 127)، والزمخشري: >(إلى) تفيد الغاية مطلقاً، فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمرٌ يدور مع الدليل... وقوله: {إِلَىْ المَرَاْفِقِ} و{إِلَىْ الْكَعْبَيْنِ} لا دليل فيه على أحد الأمرين<( 128)، وصاحب (الميزان) حيث قال: >والذي يفيده الاستعمال في لفظة (إلى) أنها لانتهاء الفعل الذي لا يخلو من امتداد الحركة، وأما دخول مدخول (إلى) في حكم ما قبله أو عدم دخوله، فأمرٌ خارجٌ عن معنى الحرف<(129 ).
وهناك من التزم بأن (إلى) تدل على عدم دخول ما بعدها فيما قبلها، ومع ذلك ذهب إلى دلالة الآية على دخول المرافق فيما يجب غسله، وذلك بأنِ اعتبر الغاية غاية للمتروك من اليد، لا للمغسول منها، فإذا كانت المرافق خارجة عن المقدار المتروك من اليد – وهو من الكتف وحتى بداية المرفق – فإن ذلك يعني دخولها فيما يجب غسله.
وممن قال بهذا المعنى ابن العربي، والقاضي أبو محمد، والقرطبي حيث قال: >فلما قال: {إِلَى} اقتطع من حدِّ المرافق عن الغسل، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى، قال ابن العربي: وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد فإنه قال: إن قوله: {إِلَىْ المَرَاْفِقِ} حدٌ للمتروك من اليدين، لا للمغسول فيهما، ولذلك تدخل المرافق في الغسل<( 130).
وهذا الكلام – إن سلمنا بأنه جارٍ على أصول اللغة، كما ادعى القرطبي – إلا أنه يخالف الوجدان، وتأباه الأذن العربية السليمة، لأنها عندما تسمع عبارة: اغسلوا أيديكم إلى المرافق، فإن المتبادر إلى ذهن صاحبها هو كون الغاية غاية للغسل أو المغسول، وهذا الذي يجري عليه نظام اللغة والظهور العرفي، وأما القول بأن المتبادر هو كون الغاية غاية للمتروك فبعيد عن الآية كل البعد، ومَن ذهب إليه ممن ادَّعاه، ما كان ذهابه إليه إلا محاولةً منه للتوفيق بين اعتقاده بدلالة (إلى) على خروج ما بعدها عن حكم ما قبلها، وبين شبه الإجماع لدى المسلمين على وجوب غسل المرافق.
ويمكن أن نستوحي محاولة التوفيق هذه من عبارة لابن حجر – وهو أحد القائلين بهذا المعنى – قال فيها: >دل على دخولها [أي المرافق] الإتباع والإجماع، بل والآية أيضاً بجعل (إلى) غاية للترك المقدَّر بناء على أن اليد حقيقة إلى المنكب، كما هو الأشهر لغة<(131 ).
وعليه فإننا لو قلنا بوجوب غسل المرافق، فلا يلزم أن تكون الآية هي الدالة على وجوب الغسل، فسواء قلنا بدلالة (إلى) على الخروج، أو التزمنا إجمال الآية، فلا ضير في أن يكون الدليل على وجوب غسل المرافق – إن قلنا به – خارجاً عن الآية، كالسنة – مثلاً – إن صحَّ فيها ما يوجبُهُ، أو العقل؛ سواء باعتبار أن وجوب غسل المرافق من باب المقدمة العلمية، أو باعتبارات أخرى.
وممن ذهب إلى الأول صاحب (الميزان) بقوله: > فشمول حكم غسل المرافق لا يستند إلى لفظة (إلى)، بل إلى ما بيَّنته السنة من الحكم<(132 )، والآلوسي حيث قال: >ودخول المرافق ثابت بالسنة، فقد صحَّ عنه (ص) أنه أدار الماء عليها<(133 )، وأبو البقاء: >وإنما وجب غسل المرافق بالسنة<( 134)، والمقداد السيوري: >الدخول [أي دخول المرافق] مستفاد من بيان النبي (ص)<(135 ).
وممن ذهب إلى الثاني الأردبيلي عندما قال: >ولا يبعُد وجوب غسل المرفق - وإن كان غاية وخارجاً – من باب المقدمة، لأنه مفصلٌ وحدٌّ مشترك<( 136)، وكذلك الجصَّاص بقوله: >إن الغاية لما كانت قد تدخل تارة، ولا تدخل أخرى... وكان الحدث فيه يقيناً، لم يرتفع إلا بيقين مثله، وهو وجود غسل المرفقَين، إذ كانت الغاية مشكوكاً فيها<( 137).
واحتملهما الطباطبائي في عبارة واحدة حين قال: >ومن الممكن أن يكون وجوب الغسل للمقدمة العلمية، أو مما زاده النبي (ص)<(138 ).
وجمهور فقهاء المسلمين على القول بوجوب غسل المرفقين، وقد نقل غيرُ واحد قول الشافعي: >لا أعلم خلافاً في أن المرافق يجب غسلها<(139 )، ونُسِب إلى مالك(140 ) والطبري( 141) وداود(142 ) وزفر(143 ) الخلافُ في ذلك، والقول بعدم وجوب غسلها.
وما يهمنا في هذا البحث – كما أسلفنا – هو ما نستفيدُهُ من الآية من أحكام، وقد أثبتنا إجمالها، وعدم دلالتها على وجوب غسل المرافق، أو عدم وجوب غسلها.
كيفية غسل اليدين:
انقسم فقهاء المسلمين في كيفية غسل اليدين على ثلاثة أقوال:
القول الأول: وجوب البدء بغسلها من أطراف الأصابع، والانتهاء بالمرفقين. واستُدل على هذا القول بأن (إلى) في الآية قد جَعَلتِ المرافق الغاية والنهاية التي ينتهي عندها الغسل، فلا يجوز ابتداء الغسل بها، بل يتعيَّن البدء برؤوس الأصابع، والانتهاء بالمرفق.
يقول الرازي في تفسيره: >فإن صُبَّ الماء على المرفق حتى سال الماء إلى الكف، فقال بعضهم: هذا لا يجوز؛ لأنه تعالى قال: {وأَيْدِيَكُمْ إِلَىْ المَرَاْفِقِ}، فجَعَل المرافق غاية الغسل، فجَعْلُهُ مبدأ الغسل خلاف الآية، فوجب أن لا يجوز<( 144).
ومن الواضح بطلان مثل هذا الاستدلال عند من اعتبر – أو احتمل – (إلى) في الآية بمعنى (مع)، كالمرتضى(145 )، والطوسي( 146)، أو بمعنى (من) الابتدائية، وأما على ما اخترناه من كونها على بابها، وأنها تفيد الغاية، فيمكن أن نردَّ على هذا الاستدلال بأنه إنما يصح في حالة كون قوله: {إِلَىْ المَرَاْفِقِ} متعلقاً بقوله: {فَاغْسِلُوا}، بحيث يكون الجار والمجرور غاية وقيداً للغسل، ولا قرينة في الآية تعيِّن ذلك، حيث يحتمل أن يكون الجار والمجرور قيداً للمغسول – وهو قوله: {أَيْدِيَكُمْ} – لا للغسل، وعلى هذا الاحتمال لا يصح الاستدلال، لأن كون {إِلَىْ المَرَاْفِقِ} قيداً للمغسول يعني أن مفاد الآية هو وجوب غسل مقدار من اليد، وهو المقدار المحدد بما بين رؤوس الأصابع والمرفق، دون الإشارة إلى كون أحد هذين الحدَّين بداية - في الغسل - والآخر نهاية.
وما لم توجد القرينة على إرادة الاحتمال الأول – وهي مفقودة في المقام – لا يمكن دفع الاحتمال الثاني، ونفي إمكانه، خاصة وأن الخطابات العرفية تشهد به، كقول الوالد لولده: >اغسل رجلك إلى الركبة<، وقول صاحب الدار للعامل: >اصبغ الجدار إلى السقف<، فإن الولد سواء ابتدأ في غسل رجله بالركبة أو بالقدم، فإنه يكون ممتثلاً لأمر والده، وكذلك العامل سواء صبغ الجدار من الأسفل إلى الأعلى، أو بالعكس.
بل لا يخطر ببال الولد والعامل أن الوالد وصاحب الدار قد استعملا لفظة (إلى) لبيان انتهاء غاية الغسل والصبغ عند الركبة والسقف، وإنما استعملاها لتحديد المقدار الواجب غسله وصبغه.
وعليه فإن هذا الاحتمال وارد في الآية على أقل التقادير، وكونه وارداً فيها يعني إجمالها من جهة تحديد أحد الاحتمالين، مما يعني إبطال الاستدلال بها على القول الأول.
القول الثاني: وجوب البدء بغسل اليدين من المرافق، والانتهاء برؤوس الأصابع(147 )، ولا دلالة في الآية على هذا القول إلا إذا اعتبرنا أن (إلى) في الآية بمعنى (من) الابتدائية، ولكننا بيَّنا – فيما سبق – أن (إلى) لم توضع لهذا المعنى، ولا يصار إليه إلا بدليل، وهو مفقود في المقام.
ولذا فإننا نجد أن أصحاب هذا القول – في الجملة - لم يدَّعوا دلالة الآية على ما ذهبوا إليه، بل تمسكوا بأدلة أخرى من قبيل بعض الروايات التي وردت من طرقهم، والتي كانت سبباً في ميلهم إلى الاحتمال الثاني، بل قولهم بتعيُّنه - أعني احتمال كون {إِلَىْ المَرَاْفِقِ} قيداً للمغسول، لا للغسل - وذلك لكونه الاحتمال المتوافق والمنسجم مع ما ورد في رواياتهم.
يقول المقداد السيوري: >لا دلالة على الابتداء بالمرفق ولا بالأصابع، لأن الغاية قد تكون للغسل، وقد تكون للمغسول، وهو المراد هنا، بل كل من الابتداء والدخول [أي الابتداء بالمرافق ودخولها في الغسل] مستفاد من بيان النبي (ص)<( 148)، ويقول البلاغي: >وحاصل المقام أن كلمة (إلى) ليست لتحديد الغسل، وبيان انتهائه إلى المرفق بعد ابتدائه من أول اليد، بل إنما هي لتحديد المغسول<( 149).
وأما صاحب (الميزان) فقد حاول أن ينفي الاحتمال الأول، ويثبت الثاني من خلال نفس الآية، وذلك بعد أن ثبَّت أولاً أن لفظ اليد مشترك بين معان ثلاثة، وهذا الاشتراك يوجب ذكر قرينة تعيِّن أحد هذه المعاني، فكان قوله: {إِلَىْ المَرَاْفِقِ} هو القرينة المعيِّنة للمعنى المراد من اللفظ المشترك، وهو قوله: {أَيْدِيَكُمْ}، وعليه فإنه يكون قيداً للمغسول، لا للغسل، وفيما يلي كلامه: >والأيدي جمع يد، وهي العضو الخاص الذي به القبض والبسط والبطش وغير ذلك، وهو ما بين المنكب وأطراف الأصابع، وإذا كانت العناية في الأعضاء بالمقاصد التي يقصدها الإنسان منها، كالقبض والبسط في اليد مثلاً، وكان المعظم من مقاصد اليد تحصل بما دون المرفق إلى أطراف الأصابع، سُمِّيَ أيضاً باليد، ولذلك بعينه ما سُمِّيَ ما دون الزند إلى أطراف الأصابع، فصار اللفظ بذلك مشتركاً أو كالمشترك بين الكل والأبعاض.
وهذا الاشتراك هو الموجب لذكر القرينة المعيِّنة إذا أُريد به أحد المعاني، ولذلك قيَّد تعالى قوله: {أَيْدِيَكُمْ} بقوله: {إِلَىْ المَرَاْفِقِ} ليتعيَّن أن المراد غسل اليد التي تنتهي إلى المرافق... فيكون الغسل المتعلق بها [أي باليد] مطلقاً غير مقيد بالغاية، يمكن أن يُبدأ فيه من المرفق إلى أطراف الأصابع، وهو الذي يأتي به الإنسان طبعاً إذا غسل يده في غير حال الوضوء من سائر الأحوال، أو يبدأ من أطراف الأصابع ويختم بالمرفق، لكن الأخبار الواردة من طرق أئمة أهل البيت عليهم السلام تفتي بالنحو الأول دون الثاني...<( 150).
وبكلمة أخرى: فإن صاحب (الميزان) قد حاول أن يستدل على الاحتمال الثاني بلزوم الإجمال على الأول، إذ لا تحديد للمغسول على الاحتمال الأول، وإنما التحديد لعملية الغسل، وكلمة (اليد) مشترك لفظي يحتاج إلى القرينة المحدِّدة، ولا قرينة في المقام تحدد المراد من اليد كلها أو بعضها، بخلاف الاحتمال الثاني الذي يحدد العضو المراد غسله، فيرفع إجمال الآية.
ويلاحظ على ذلك أن الإجمال المذكور منتف وجداناً على كلا التقديرين، فسواء كان قوله تعالى: {إِلَىْ المَرَاْفِقِ} قيداً للغسل، أو للمغسول، فإن المغسول محددٌ على كل حال، وذلك لأن تحديد الفعل هو بذاته تحديدٌ للمقدار الواقع عليه الفعل من المفعول، أي أن تحديد الغسل هو تحديد للمغسول، وعليه فإنه لا معنى لما ذكره صاحب (الميزان) حين قال: >ولا معنى لكونه قيداً لهما جميعاً<( 151).
نعم، الفرق بين الاحتمالين هو أنه لو ثبت الأول منهما، لكان القول الأول في كيفية غسل اليدين هو الصحيح، وهو القول بوجوب البدء بغسلها من أطراف الأصابع، والانتهاء بالمرفقين، ولكن قد بيَّنا أن الآية ليس فيها ما يرجح أحد الاحتمالين على الآخر، فلا يمكن أن نستفيد منها اعتبار القول الأول.
وأما القول الثاني - وهو القول بوجوب البدء بغسل اليدين من المرافق، والانتهاء برؤوس الأصابع – فلا يمكننا اعتباره من خلال الآية، سواء قلنا بأن الآية تُعيِّن الاحتمال الثاني، كما ذهب إليه صاحب (الميزان)، أو قلنا ببقاء التردُّد بين الاحتمالين.
وعليه ينحصر ما يمكننا استفادته من الآية بالقول الآتي.
القول الثالث: جواز البدء في غسل اليدين من المرافق، أو من رؤوس الأصابع، وعليه جمهور فقهاء المسلمين(152 )، ومنهم: المرتضى(153 )، وابن إدريس الحلي( 154).
وهذا القول – كما هو واضح من كل ما سبق – هو القدر المتيقن من الآية، حيث لا سبيل إلى القول بتعيِّن كون قوله تعالى: {إِلَىْ المَرَاْفِقِ} قيداً للغسل، ليثبت القول الأول، ولا إشارة في الآية - من قريب أو من بعيد – إلى ما يثبت القول الثاني، فتنحصر المسألة في القول الثالث.
خلاصة المقطع:
وخلاصة هذا المقطع هي وجوب غسل ما بين المرفقين ورؤوس الأصابع من اليدين كيفما اتفق، وأما دخول المرافق وعدم دخولها في المقدار الواجب غسله، فالآية ساكتة عن بيانه، فيُرجع في حكمه إلى غيرها.
_________
الهوامش
(1) سورة النساء 59.
(2) الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، ج1، ص259، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر (ره)، قم، ط1، 1421هـ.
(3) الأردبيلي، أحمد بن محمد، زبدة البيان في أحكام القرآن، ص15، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران.
(4) السيوري، جمال الدين المقداد بن عبد الله الملقب بالفاضل المقداد، كنز العرفان في فقه القرآن، ص34، مكتب نويد إسلام، قم، ط1، 1422هـ.
(5) سورة النحل: الآية 98.
(6) سورة النساء: الآية 102.
([7]) الآلوسي، أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود البغدادي، روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني، ج4، ص102، دار الفكر، بيروت، 1994م.
(8) الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، ج3، ص448، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(9) الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج3، ص205 - 206، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1992م.
(10) الأردبيلي، زبدة البيان، م. س، ص15.
(11) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، ج6، ص85، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1994م.
(12) سورة الأنبياء: الآية 104.
(13) الزمخشري، جار الله محمود بن عمر، الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ج1، ص609، نشر أدب الحوزة.
(14) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص219، مؤسسة مطبوعات إسماعيليان، قم، ط5، 1412هـ.
(15) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص34.
(16) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص34.
(17) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص34.
(18) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص35.
(19) الطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص205.
(20) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص449.
(21) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص85.
(22) سورة المائدة: الآية 6.
(23) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص102 - 103.
(24) الزمخشري، الكشَّاف، م. س، ج1، ص609.
(25) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص103.
(26) الزمخشري، الكشَّاف، م. س، ج1، ص609.
(27) الأردبيلي، زبدة البيان، م. س، ص15.
(28) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص83.
(29) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص103.
(30) الطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206.
(31) الزمخشري، الكشَّاف، م. س، ج1، ص609.
(32) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص83.
(33) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص448.
(34) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص35.
(35) الأردبيلي، زبدة البيان، م. س، ص15.
(36) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص103.
(37) الزمخشري، الكشَّاف، م. س، ج1، ص609.
(38) الأردبيلي، زبدة البيان، م. س، ص15.
(39) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص220.
(40) الطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206. والطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص448. والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص83.
(41) الطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206. والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص83. والطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص449.
(42) المعجم الوسيط، ج2، ص676، مكتبة النوري، ط1، دمشق.
(43) البستاني، بطرس، محيط المحيط، ص658، مكتبة لبنان، بيروت، 1987م.
(44) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م. س، ج5، ص220.
(45) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص85، و كذلك ج5، ص213.
(46) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص85.
(47) الصابوني، محمد علي، روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن، ج1، ص385، دار الجيل، ط1، بيروت. والطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206. والآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص103.
(48) الجصاص، أبو بكر أحمد الرازي، أحكام القرآن، ج2، ص332، دار الفكر، بيروت. والآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص103.
(49) الأردبيلي، زبدة البيان، م. س، ص15.
(50) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص35.
(51) البستاني، محيط المحيط، م. س، ص959.
(52) المعجم الوسيط، م. س، ج2، ص1057.
(53) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص220.
(54) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص449.
(55) الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، تفسير جوامع الجامع، ج1، ص478، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1423هـ. والطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206.
(56) الأردبيلي، زبدة البيان، م. س، ص16.
(57) البلاغي، محمد جواد، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، ج2، ص146، ط2، مكتبة الوجداني، قم.
(58) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص85.
(59) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص104.
(60) الصابوني، روائع البيان، م. س، ج1، ص385.
(61) الجصاص، أحكام القرآن، م. س، ج2، ص337.
(62) الطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206.
(63) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص450.
(64) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص449 - 450. والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص85.
(65) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص35. والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص85.
(66) النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج2، ص148، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط7، 1981هـ. والحلي، الحسن بن يوسف بن مطهر، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، ج1، ص109، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، ط1، 1412هـ.
(67) الأيرواني، محمد باقر، دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي، ج1، ص35 - 36، مؤسسة الفقه للطباعة والنشر، قم، ط3، 1422هـ.
(68) النجفي، جواهر الكلام، م. س، ج2، ص148. والحلي، مختلف الشيعة، م. س، ج1، ص109.
(69) الحلي، أبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس، كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، ج1، ص100، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط4، 1417هـ.
(70) الحلي، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن المعروف بالمحقق الحلي، المعتبر في شرح المختصر، ج1، ص143، مؤسسة سيد الشهداء (ع).
(71) النجفي، جواهر الكلام، م. س، ج2، ص148.
(72) الحلي، مختلف الشيعة، م. س، ج1، ص109.
(73) ابن منظور، لسان العرب، ج15، ص419، نشر أدب حوزة، قم، 1405هـ. والفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، ج4، ص408، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت.
(74) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، م. س، ج4، ص408. والمعجم الوسيط، م. س، ج2، ص1106. وابن منظور، لسان العرب، م. س، ج15، ص419.
(75) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص88.
(76) الجصاص، أحكام القرآن، م. س، ج2، ص340.
(77) البلاغي، آلاء الرحمن، م. س، ج2، ص146.
(78) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص220.
(79) كاشف الغطاء، محمد الحسين، الفردوس الأعلى، ص65، دار أنوار الهدى، قم، ط1، 1426هـ.
(80) المعجم الوسيط، م. س، ج1، ص375. والفيروزآبادي، القاموس المحيط، م. س، ج3، ص244. والبستاني، محيط المحيط، م. س، ص344.
(81) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص105. والطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206. والطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص451. والطبرسي، جوامع الجامع، م. س، ج1، ص478.
(82) البلاغي، آلاء الرحمن، م. س، ج2، ص146.
(83) الأنصاري، جمال الدين عبد الله بن هشام المعروف بابن هشام، مغني اللبيب عن كُتُب الأعاريب، ص85، دار الفكر، بيروت، ط1، 1998م.
(84) ابن هشام، مغني اللبيب، م. س، ص86.
(85) الأسترابادي، رضي الدين محمد بن الحسن المعروف بالرضي، شرح الرضي على الكافية، ج4، ص270، منشورات مؤسسة الصادق، طهران، 1978م.
(86) ابن هشام، مغني اللبيب، م. س، ص85 - 86.
(87) سورة النساء: الآية 2.
(88) سورة آل عمران: الآية 52.
(89) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص450.
(90) سورة هود: الآية 52.
(91) الطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206.
(92) الطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206.
(93) الطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206.
(94) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص451.
(95) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص88.
(96) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص105.
(97) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص35.
(98) الرضي، شرح الرضي على الكافية، م. س، ج4، ص271.
(99) العُكبري، أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله المعروف بأبي البقاء، إملاء ما منَّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن، ج1، ص208، منشورات مكتبة الصادق للمطبوعات، طهران، ط2، 1969م.
(100) المرتضى، علي بن الحسين الموسوي البغدادي الملقب بالشريف المرتضى، الانتصار، ص100، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1415هـ.
(101) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص221.
(102) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص221.
(103) الرضي، شرح الرضي على الكافية، م. س، ج4، ص271.
(104) ابن هشام، مغني اللبيب، م. س، ص85. والرضي، شرح الرضي على الكافية، م. س، ج4، ص271.
(105) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص88.
(106) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص35.
(107) الجصاص، أحكام القرآن، م. س، ج2، ص340.
(108) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص220.
(109) أبو البقاء، إملاء ما منَّ به الرحمن، م. س، ج1، ص208.
(110) البلاغي، آلاء الرحمن، م. س، ج2، ص146 - 147.
(111) الطبرسي، جوامع الجامع، م. س، ج1، ص478.
(112) الأردبيلي، زبدة البيان، م. س، ص17.
(113) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص105.
(114) ابن هشام، مغني اللبيب، م. س، ص85.
(115) سورة الإسراء: الآية 1.
(116) سورة البقرة: الآية 187.
(117) سورة البقرة: الآية 280.
(118) سورة المائدة: الآية 6.
(119) سورة البقرة: الآية 187.
(120) الرضي، شرح الرضي على الكافية، م. س، ج4، ص271. وابن هشام، مغني اللبيب، م. س، ص85.
(121) سورة الإسراء: الآية 1.
(122) سورة البقرة: الآية 187.
(123) سورة البقرة: الآية 280.
(124) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص35 - 36.
(125) الجصاص، أحكام القرآن، م. س، ج2، ص340 - 341.
(126) الطبرسي، جوامع الجامع، م. س، ج1، ص478.
(127) أبو البقاء، إملاء ما منَّ به الرحمن، م. س، ج1، ص208.
(128) الزمخشري، الكشَّاف، م. س، ج1، ص610.
(129) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص220.
(130) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م. س، ج6، ص88 - 89.
(131) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص105 - 106.
(132) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص220.
(133) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص105.
(134) أبو البقاء، إملاء ما منَّ به الرحمن، م. س، ج1، ص208.
(135) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص36.
(136) الأردبيلي، زبدة البيان، م. س، ص17.
(137) الجصاص، أحكام القرآن، م. س، ج2، ص340.
(138) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص221.
(139) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص451. والآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص105. والطبرسي، مجمع البيان، م. س، ج3، ص206.
(140) الرازي، محمد بن عمر بن الحسين، التفسير الكبير، ج11، ص159، ط2، دار الكتب العلمية، طهران. والطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص451. والآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص105. ( إلا أنه تردَّد في هذه النسبة ).
(141) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص451.
(142) الآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص106. والسيوري، كنز العرفان، م. س، ص36. والزمخشري، الكشَّاف، م. س، ج1، ص610.
(143) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص36. والآلوسي، روح المعاني، م. س، ج4، ص105. والطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص451. والزمخشري، الكشَّاف، م. س، ج1، ص610. والجصاص، أحكام القرآن، م. س، ج2، ص341. والرازي، التفسير الكبير، م. س، ج11، ص159.
(144) الرازي، التفسير الكبير، م. س، ج11، ص160.
(145) المرتضى، الانتصار، م. س، ص100.
(146) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص450.
(147) الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي، المبسوط في فقه الإمامية، ج1، ص21، المطبعة الحيدرية، طهران، ط2، 1387هـ. والعكبري، أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان الملقب بالمفيد، المقنعة، ص43 - 44، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1410هـ. والحلي، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن المعروف بالمحقق الحلي، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، ج1، ص21، منشورات الأعلمي، ط2، طهران. والطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م. س، ج3، ص450. والطبرسي، جوامع الجامع، م. س، ج1، ص478. والمرتضى، الانتصار، م. س، ص99. والحلي، السرائر، م. س، ج1، ص99. والنجفي، جواهر الكلام، م. س، ج2، ص162 - 163.
(148) السيوري، كنز العرفان، م. س، ص36.
(149) البلاغي، آلاء الرحمن، م. س، ج2، ص146 - 147.
(150) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص220 - 221.
(151) الطباطبائي، الميزان، م. س، ج5، ص221.
(152) الرازي، التفسير الكبير، م. س، ج11، ص160.
(153) المرتضى، الانتصار، م. س، ص99. والسيوري، جمال الدين المقداد بن عبد الله الملقب بالفاضل المقداد، التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، ج1، ص81، مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1404هـ. والنجفي، جواهر الكلام، م. س، ج2، ص163. والحلي، المعتبر، م. س، ج1، ص144.
(154) الحلي، السرائر، م. س، ج1، ص99. والسيوري، التنقيح الرائع، م. س، ج1، ص81. والنجفي، جواهر الكلام، م. س، ج2، ص163.
السيد عقيل زيد الشامي* | 2010-06-26| Hits [474]